مكافحة الغلو واجب لا يعرف التوقف
د / متعب بن سالم الخمشي
تظل المكافحة العلمية للغلو حديثاً يتجدد، وتستدعيه الظروف والاحوال في كل وقت وحين، وبتعليل أولي : لأن الغلو كمشروع له
أدواته وسدنته لا يعرف التوقف، فهو في حالة تحديث مستمر، وهو ينتقل من كونه فكرة ذهنية إلى برنامج عمل، ومن ثم إلى
عملية إرهابية، وبين هذه وتلك مراحل متعددة بحسب استشراء الفكرة وخطورتها وبحسب خلفيات متعددة في التربية والقراءة
والعلاقات وغيرها، وما يخبو من الغلو في وقت قد يبقى كامناً حتى يأتي من يحركه، وفي كلام آخر ومن زاوية أخرى فإن العقائد
أياً كان تصنيفها تظل هي المحرك والموجه للأفراد والجماعات، وتبقى سلطة ما يظن الغلاة أنه يمثل الشرع تنتظر التنفيذ
والامتثال عندهم، وسيفعل هؤلاء كل ما بوسعهم تحقيقاً لعقائدهم التي يوالون عليها ويعادون، وكل ما بوسعهم حتى يحشروا الناس
في زمرتهم وتبعيتهم.
لقد ظهرت بذرة الغلو في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وحذر منها وأخبر بوقوعها واستمراراها، والموضوع سيكون ضمن
دائرة المدافعة المستمرة بين الحق والباطل إلى قيام الساعة، ولذا جاء في حديث الفتنة: " قال عمر لحذيفة رضي الله عنهما:
ولكن الفتنة التي تموج كما يموج البحر، قال :ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها بابا مغلقاً، قال : أيكسر أم
يفتح؟ قال : يكسر، قال : إذا لا يغلق أبداً، قلنا : أكان عمر يعلم الباب؟ قال: نعم، كما أن دون الغد الليلة، إني حدثته بحديث ليس
بالأغاليط"، وفي رواية البخاري:" ذاك أجدر أن لا يغلق إلى يوم القيامة، وهذا الحوار بين عمر وحذيفة كان لمعنى عظيم، وأسئلة
عمر اتسمت بالدقة والوضوح وإدراك المألات، فالحديث متجه إلى أمور ستظل المعاناة منها مستمرة أبد الدهر لحكمة أرادها الله
سبحانه وتعالى، وهذه المعاناة تأتي في سياق سؤال لم يجبه الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، والمعنى كل المعنى على بقاء الطائفة
المنصورة التي تدافع عن الحق وتذود عنه، في صحيح مسلم:" سألت ربي ثلاثاً فأعطاني ثنين ومنعني واحدة، سألت ربي: أن لا
يهلك أمي بالسنة فأعطانيها،وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها"، جاء في
أحاديث أخرى بزيادة:" لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله، قال ابن
حجر:" غالبين على أهل الباطل ولو حجة، وهذا يؤكد على ألأخذ بالأسباب ببيان الحق وتبيين السبيل، فهذا روح وجسم الدعوة
إلى الله.
إذن هذا باب مفتوح، وماكينة الغلو لا تزال تزج بأفكارها في كل اتجاه، وهذا البلد الكريم بقيادته وشعبة ومقدراته محل الاستهداف
الممنهج، والشبهات التي يتم إعادة إنتاجها اليوم لا تكاد أن تختلف عما قيل فيما مضى، فهي متكررة في كل فترة تاريخية، ولكن
الجديد ما طرأ وما يطرأ لفرض مناهج الغلو، فثمة استراتيجيات وخطط وإجراءات يتوسل بها أصحابها للوصول إلى أهدافهم،
وعليه يجب أن تكون مكافحة الغلو في مستواها وزيادة.
ويؤكد الأهمية أن المعلومة أصبحت مبذولة أكثر من أي وقت مضى والوصول إليها من السهولة بمكان، ولا غضاضة في ذلك –
في الأصل – إذا كان التعامل مع المعلومة في السياق العلمي المعتبر، وهذا ما لا يكون عند اتباع الجماعات الإرهابية
وتنظيمات الفئات الضالة التي تقع مناهجها في طوام من التضليل العلمي والتخبط المنهجي، فيثيرون مثلاً شبهة في الولاء والبراء
بحديث "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب" ويثيرون شبهة في الجهاد بحديث "جئتكم بالذبح" ويثرون شبهة في الولاية
الشرعية بحديث الإنكار على مروان بن الحكم، وتسمع في أدبيات جماعة الإخوان المسلمين الدعوة إلى الخلافة، وغير ذلك من
الأمثلة العديدة في المسائل المختلفة، ويهملون المنهج العلمي من دراسة النصوص والحكم عليها ودراستها والنظر فيها وفي بقية
النصوص الشرعية التي تخرج جميعاً من مشكاة واحدة ولا بد من ائتلافها، وهذه أخطاء كارثية، لذلك من السهل عندهم التغبيش
على أصل من الأصول ومحكم من المحكمات لورود دليل أو أثر هنا أو هناك له سياقه ويمكن الجواب عنها بكل تجرد علمي، تجد
مثلاً ما يسمى بالتيار الحقوقي وهو ينطلق في أبجدياته من الفكر الثوري أي بعيداً عن المنهج الشرعي، ولكن ليجد له رواجاً
يستدل استدلالات غريبة عن الــمـنهج العلمي، كالاستدلال على جــواز الــمــظــاهـرات بقاعدة " الأصل في الأشياء والعادات
الإباحة " والقاعدة "الوسائل لها حكم الغايات" وهذا جهل واستخفاف بالتعامل مع هذه القواعد الشرعية ومعرفة معانيها وتحقيق
اشتراطاتها، ولا غرو فهم اعتقدوا مسبقاً وبقي أن ينزلوا النصوص والأثار الداعمة لأقوالهم، وهذا إشكال خطير لأن الترويج
بهذه الطريقة يجد قبوله عند الأغرار الذين لم يدركوا أصول المنهج العلمي المعتبر و"القلوب ضعيفة والشُبّه خطَّافة" ولذا فيتأكد
مشروعية استمرار هذه الجهود في مكافحة وبيان أخطائهم العلمية الكارثية التي تتجدد بين الفينة والأخرى، والتي فيها جناية في
حق المنهج العلمي الذي يُعنى بتقويم المعلومة في سياق التلقي الصحيح والتعامل معها بإنصاف وحياد ودقة.
د/ متعب بن سالم الخمشي
استاذ الحديث المشارك في جامعة القصيم